الجمعة، 5 ديسمبر 2008

لعبه بيع الصكوك وفيلم عايز حقى

صحيح هم يضحك وهم يبكي، لكن هذا الهم يضحك ويبكي في نفس الوقت، لقبه الرسمي «إدارة الأصول» رغم أنه لا يحافظ علي الأصول وهدفه الرسمي تحقيق المشاركة الشعبية في الثروة الوطنية رغم أنه مجرد حيلة بهلوانية لتبديد ما تبقي من قوة اقتصادية في يد الدولة المصرية، لكي تستقر في نهاية العملية في يد عصبة احتكارية أو أقلية من الحرامية مصرية أو أجنبية أو حتي صهيونية.أما خدعة المشاركة الشعبية، بالصكوك المجانية، فهي ليست إلا مجرد مرحلة انتقالية قبل أن يعاد شراء الفتات الذي تم توزيعه بالمجان علي الفقراء، بسعر بخس يدفعه الأغنياء، وعمولة مناسبة للوسطاء، تنتهي بتجميع الكعكة الاقتصادية علي مائدة نفس المهلباتية فيأكلونها كالمهلبية، وعندئذ سيكون حزب الوريث قد انجز حركته التكتيكية وهي «تلبيس الطاقية» للشعب المصري.فإذا اتهمنا الحكومة الذكية بأنها باعت أصول مصر، ردت التهمة الينا وزعقت بالصوت الحياني : انتو اللي بعتوها يا شعب.وإذا شكونا من فساد الخصخصة، خرج علينا أي عبد الوريث صائحاً: كانت في ايديك وبعتها لغيرك يا مواطن.وإذا قرر الوريث الغاء الدعم للتخفيف عن الميزانية وجد حجته جاهزة: كل واحد منكم خد حقه، عاوزين إيه تاني؟ هتنهبوها ولا إيه!؟وهكذا فإن جوهر تكتيك «تلبيس الطاقية» هو ادخال الشعب المصري إلي قفص الاتهام واخلاء سبيل الحكومة الديمقراطية! وهو تلبيس التهمة للمواطن المجرم الذي باع الصكوك ليأكل بثمنها فول وطعمية، واعلان براءة حزب الانكشارية مفجر ثورة المشاركة الشعبية في الثروة الوطنية.والف مبروك براءة الحراميةودقي يا مزيكا احلي سلام وتحية لجمال مبارك راعي الصكوك الانتقالية، وسمعني أغنية :«بيع نيلك.. بيع هرمك.. شوف الشاري مين».> > > هي مسخرة!توجع القلب وتشرخ الروح وتبلل العين من ضحك كالبكاء مشاهدها تتوالي علي المسرح مشهداً فمشهدا.مشهد الافتتاح كان جملة مكتوبة في خطاب الرئيس مبارك رئيس الحزب الوطني الديمقراطي في كلمته أمام مؤتمر حزبه الخامس حينما وجه الحزب والحكومة لتحقيق المشاركة الشعبية في برنامج إدارة الأصول المملوكة للدولة.وعلي غير عادته خرج الرئيس عن النص المكتوب فارتجل جملة أخري موجهاً حديثه للمؤتمرين بما معناه «ما تستعجلوش ها تعرفوا التفاصيل» ثم واصل التلاوة. الجملة المكتوبة عامة عائمة غائمة، والمرتجلة توحي بأن وراء ها ما وراءها.والنص والارتجال معاً يؤكدان ان السامعين لم يفهموا التفاصيل بافتراض أن القائل يفهمها.المشهد الثاني، في نفس المؤتمر، بطله وزير الاستثمار محمود محيي الدين الذي تولي تحت رئاسة الوريث مفجر ثورة التجديد، إفهام الحاضرين شيئاً مما وراء الأكمة. فتحدث عن صكوك توزع علي الشعب تمثل اسهماً في الأصول المملوكة للدولة، وعن صندوق للاجيال القادمة، وعن مشروع قانون ينظم «العملية» التي هي تطوير لبرنامج الخصخصة بعد أن اكمل تسعة عشر عاماً. وفي حديثه عن الأصول التي ستعرض للبيع ذكر النيل! لكن السامعين لم يفهموا في المشهد الثاني أيضاً، بل لعل التفاصيل زادهم تشوشاً وارتباكاً والتباساً.لم أصدق أن مصرياً، حتي لو كان وزيراً في هذه الحكومة، يمكن أن يذكر النيل في معرض الحديث عن البيع! لكنني لم أسمع هتافاً معترضاً من الحشد المكوم في القاعة، ولا مقاطعة، ولا تعقيباً، ولا استفهاماًَ، ولا استيضاحاً، ولا سؤالاً، ولا يحزنون!وكأنما نزلت علي رأسي صاعقة. وشعرت أننا أمام حرب ينبغي أن نخوضها دفاعاً عن النيل ضد سلطة تعرضه للبيع بثمن بخس وكانت فيه من الزاهدين.استرجعت هتافاً طالما ردده المظاهرون، وخصوصاً الشباب الناصري، في الاحتشادات الشعبية ضد العدوان الأمريكي علي العراق:«آه يا جمال وباقولها بحسرةباعوا القدس وباعوا البصرةآه يا جمال وباقولها بجددول هيبيعوا النيل والسد»كان حكامنا العرب قد باعوا القدس بمساومات واتفاقيات مسمومة ادخلتهم حظائر الاذعان باسم السلام، ولم يبق للقدس إلا المقاومة وانتفاضة الشعب الفلسطيني البطل، وحركة مقاومة التطبيع، وكلها رغم انف الحكام.وكانوا قد باعوا البصرة، وسلموها مع كل أرض الرافدين العظيمة غنيمة للاحتلال الأمريكي. ولم يبق للعراق الا المقاومة المسلحة الباهرة للشعب العراقي البطل. والحركة الشعبية العربية والعالمية ضد العدوان الأمريكي، وكلها رغم انف الحكام أ يضاً وكان الهتاف واقعياً فيما يخص الحسرة علي القدس والبصرة. لكنه كان تحذيرياً فيما يخص النيل والسد.الآن إذن يمكن أن نصدق لهتاف : وباقولها بجد> > > في المشهد الثالث واصل الوريث وعبدالوريث إفهام السامعين عبر مؤتمر صحفي عقداه الأسبوع الفائت. كل مصري عمره 21 سنة 41 مليون مصري بلغوا سن الـ 21 ستوزع عليهم حصة مجانية من أسهم شركات قطاع الأعمال العام المعروضة للبيع.هذه الشركات عددها 153 موزعه علي 9 شركات قابضة. ستحتفظ الدولة بملكية 67 منها، وتبيع 86 مقسمة علي ثلاث شرائح : الأولي تحتفظ الدولة بملكية 67% منها، والثانية تحتفظ بـ 51% علي الأقل، والأخيرة تحتفظ بـ 30%!هذه الحصة المجانية هي محفظة اسهم (صك) تمثل حزمة من مجموعة شركات. ومن حق حاملها التصرف فيها بالبيع منذ أول يوم يمتلكها، أو يعرضها في البورصة. ولا حجر علي أي أجنبي حتي لو كان (إسرائيلياً) في شرائها!قيمة هذه الحصة غير معلومة للآن وتتراوح في أغلب التقديرات بين 300 و 500 جنيه وتصل في أقصي التقديرات إلي 2000 جنيه مصري!ولم يفهم السامعون من المشهد الثالث، بما فيهم الدكتور مفيد شهاب شخصياً، ووجدوا أنفسهم أمام أرقام ونسب واصطلاحات بين محفظة وحزمة وسند وسهم. وما قدمه المؤتمر الصحفي من إجابات أثار اضعافها من الأسئلة والشكوك والالتباسات تجعل المختبئ وراء الأكمة اكبر وأثقل من المعلن أمام السامعين.وكأن اساطين الحزب والحكومة مجموعة من الحواة الهواة يعرضون علي الشعب المصري ألاعيباً من جرابهم المهترئ، ويتصايحون ألا أولنا، ألا دوا، ألا تري، فين السنيورة؟> > > والغريب أن عبيد الخصخصة الذين يروجون للمشروع، لا ينتبهون لما يفعله سادتهم من عتاة الرأسمالية الذين بادروا إلي التأميم الكلي والجزئي في مواجهة الأزمة العالمية الراهنة. وأعادوا الاعتبار لدور الدولة الحاكم للسوق والمتدخل فيه والمالك للأصول.فإذا بجهابذة الحزب الوطني - علي غير عادتهم- يسيرون عكس اتجاه الريح في الدول الرأسمالية التي طالما الهمتهم أو أملت عليهم سياسات السوق.ولو كان جهابذة الحكم جادين في توزيع الثروة فلماذا لا يوزعون 50% من عائدات البترول وقناة السويس وكهرباء السد العالي والسياحة علي المصريين مع بقاء كل الأصول مملوكة للشعب كما ينص الدستور.ولو كانوا جادين في توزيع الثروة، فلماذا لا يوزعون السلطة عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة؟ وساعتها سيتمكن الشعب من انتخاب رئيس جمهورية وتشكيل حكومة تحافظ علي الأصول بما فيها أصول الدولة وتوزع الثروة فعلياً بالعدل علي الشعب الذي يستحقها بلا فساد ولا فقر ولا استبداد ولا تبعية.> > > الذين لم يفهموا تفاصيل لعبة إدارة الأصول التي يعرضها حواة الحزب الوطني معهم كل الحق.لكن التفاصيل المرتبكة الملتبسة لا تستطيع إخفاء جوهر اللعبة.هي استمرار مفضوح لسياسة الخصخصة الفاشلة.هي محاولة مبتذلة لرشوة الشعب المصري (حاشا لله أن يقبلها) لكي يمرر جريمة بيع ما بقي من ملكيته العامة.هي خطة رخصة لتمكين حفنة من المحتكرين والفاسدين المحليين والأجانب من الاستحواذ علي نتاج كدح اجيال من الشعب.هي لعبة مستفزة لتلبيس الطاقية أو «تلبيس العمة» للمصريين لكي يحملوا أوزار الخصخصة عن حكومة مجرمة.هي مزاد دنئ لبيع مصر ممن لا يملك لمن لا يستحق. مقال للاستاذ الكبير حمدين صباحى